فخر الدين الرازي

231

الأربعين في أصول الدين

إلى وقت معلوم ، بل الإزالة . وكذا قوله تعالى : « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » ( البقرة 237 ) ليس المراد منه : التأخير إلى وقت معلوم ، بل المراد منه : هو الاسقاط المطلق . وأيضا : الغريم إذا أخر المطالبة . لا يقال : انه عفا عنه . ولو أسقطه يقال : إنه عفا عنه . فثبت : أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير . الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحمانا ورحيما . والاستدلال : ان رحمته اما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين هم أهل الثواب ، أو بالنسبة إلى العصاة الذين هم أهل العقاب . والأول باطل . لأن رحمته اما أن تكون عبارة عن أنه أعطاهم الثواب الّذي هو حقهم ، أو عبارة عن أنه يفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم . والأول باطل : لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة . لأن من كان له على انسان مائة دينار ، فأخذها منه قهرا ، لا يقال في مثل هذا الاعطاء : انه رحمة . والثاني باطل : لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الّذي هو حقه ، كالمستغنى . وتلك الزيادة تسمى زيادة في الأنعام ، ولا تسمى - البتة - رحمة . ألا ترى أن السلطان إذا أعطى الوزير مملكة ، ثم ضم إليها مملكة أخرى ، لا يقال لهذه الزيادة : انها رحمة ، بل يقال : زاد في الانعام . وأما القسم الثاني - وهو أن رحمته ظهرت بالنسبة إلى أهل العقاب - فنقول : هذه الرحمة ، اما أن تكون عبارة عن ترك العقاب - الّذي هو غير مستحق - أو عن ترك العقاب - الّذي هو مستحق - والأول باطل : والا لكان كل كافر وظالم رحيما . لأجل أنه ترك الظلم ، أو لأجل أنه ترك الزيادة على ذلك الظلم الّذي فعله . ولما بطل هذا ، بقي أنه رحمن ورحيم . لأنه ترك العقاب المستحق . وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد